إن عمليات إنتاج و استهلاك الطاقة في العالم تركت تأثيرات سلبية خطيرة على البيئة، فالاعتماد المتزايد على الطاقة للحفاظ على الحياة و تسارع حركة الهجرة إلى المدن و التحضر المديني والنمو الصناعي أدى إلى ازدياد استهلاك الوقود الأحفوري لإنتاج الطاقة، و حرق هذا الوقود (المستخرج من باطن الأرض) نجم عنه توليد الانبعاثات الغازية المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري(الدفيئة أو تأثير البيت الزجاجي)، هذه الانبعاثات تشمل العديد من الملوثات و الجزيئات التي تشكل السبب الرئيسي لتلوث الهواء، إضافة إلى أن انبعاثات الغازات المسببة لظاهرة الدفيئة أدت إلى تسارع عملية الاحترار العالمي أو ارتفاع حرارة الأرض و بدورها أدت إلى تغير المناخ، حيث أن تغير المناخ في الكرة الأرضية يهدد بمخاطر على صحة الإنسان و النظم البيئية وقد أصبح المشكلة البيئية الأولى في العالم، و إن الاعتراف العالمي بأهمية و جسامة تغيرات المناخ تبرر الحاجة لتعزيز و تشجيع مصادر الطاقة البديلة.
إن مصادر الطاقة غير المتجددة هي تلك المستخرجة من باطن الأرض سواء السائلة أو الغازية أو الصلبة و التي من المتوقع أن تنضب و لكن ليس على المدى القريب أو في فترة قصيرة، و يشكل الوقود الأحفوري و هو من الهيدروكربونات أحد مصادر الطاقات غير المتجددة، مثل الفحم ، النفط ، و الغاز ما نسبته 85 % من الطلب العالمي على الطاقة ، وهذا الوقود الأحفوري هو المستخدم بشكل رئيسي في النقل، الصناعة، التدفئة المنزلية، و محطات توليد الطاقة الكهربائية.
إن الاستهلاك العالمي لهذه المصادر التقليدية من الطاقة جعلها عرضة للنضوب، ومن ناحية أخرى فإن حرق الوقود الإحفوري أدى إلى انبعاثات من الغازات الضارة و المؤذية لصحة الإنسان والبيئة، ومن هنا فإن التحول إلى استخدام الطاقات المتجددة سوف يضمن إنتاج الطاقة بطريقة مستدامة، حيث إن ضمان و تأمين الطاقة أصبح مسألة ذات أهمية كبيرة مع تزايد الطلب والحاجة لمصادر الطاقة والكهرباء، و سوف يؤدي الاعتماد والاستخدام المتوازن لكل من المصادر المتجددة والتقليدية للطاقة إلى إطالة أمد توفر الوقود الإحفوري من أجل أجيال المستقبل إضافة إلى الفوائد البيئية الجمة.
تعاني بلدان العالم من أزمة طاقة متفاقمة وارتفاع حاد في أسعار مشتقات النفط ويجري التعامل مع هذه المسألة على صعد متفاوتة بطرق ووسائل مختلفة، وإحدى الطرق التي اخترناها للتعامل مع المشكلة هي عبر العلم و الفن (من خلال مشروع ثقافي-علمي-بيئي)، حيث إن الاعتماد على الطاقات البديلة و المتجددة أصبح أمراً لا بد منه في ضوء ارتفاع أسعار الطاقة التقليدية و في مقدمتها النفط والغاز، رغم أن الأخيرة ستستمر في لعب الدور الرئيسي في المدى المنظور، إلا أن دور الطاقات المتجددة و النظيفة سيزداد مع تطور ورخص تقنيات إنتاجها وارتفاع الجدوى الاقتصادية من اقتنائها واستخدامها، وأصبح من المؤكد أن المستقبل على المدى البعيد سيكون للطاقات المتجددة من الناحية البيئية ومن الناحية الاقتصادية (كون النفط في طور النضوب).
ما هي أبرز الطاقات المتجددة؟
- طاقة الرياح: أي تكنولوجيا استعمال الرياح لتوليد الكهرباء، وهي تشكل المورد الجديد والأكثر نمواً للكهرباء عالمياً اليوم، تتولد طاقة الرياح من خلال توربينات رياح من ثلاث شفرات ضخمة، تُركب في أعلى أبراج عالية و تعمل كالمراوح المعكوسة، حيث تبرم الرياح الشفرات فتبرم الشفرات عموداً موصولاً عبر مجموعة من المسننات ليدير مولد كهرباء، وتستطيع التوربينات الواسعة النطاق لشركات الكهرباء توليد ما بين 750 كيلوواط (الكيلوواط يساوي ألف واط) و 1.5 ميغاواط (الميغاواط يساوي مليون واط)، بينما تستعمل المنازل ومحطات الاتصالات ومضخات المياه توربينات صغيرة فردية بقدرة أقل من 100 كيلوواط كمصدر للطاقة وخاصة في المناطق النائية حيث لا توجد خدمة كهربائية. وفي محطات الرياح أو مزارع التوربينات الهوائية يتم توصيل مجموعة من التوربينات سوية لتوليد الكهرباء وتغذية شبكة خدمات الكهرباء، وبالتالي تٌنقل الكهرباء عبر خطوط النقل و التوزيع إلى المستهلكين، و الرياح التي تعتبر أكثر مصادر الطاقة البديلة استمرارية و تجدداً تكون في ذروة إنتاجيتها للطاقة فوق سطح البحر حيث تهب ليل نهار و بفضل ذلك تجوب السفن الشراعية البحار عبر مئات السنين.
- طاقة المياه: البنية الكيميائية البسيطة من الهيدروجين والأوكسجين هي الأكثر توافراً على سطح الأرض، فالماء يغطي 71% من قشرة الكرة الأرضية، ونظرياً فإن هناك طاقة مختزنة في كل قطرة ماء، واليوم يتم توليد خٌمس الطاقة الكهربائية في العالم بالاستفادة من الطاقة المائية، وفي 66 بلداً يتم توليد نصف الطاقة الكهربائية من خلال طاقة المياه، وحسب تقرير الأمم المتحدة حول تطور استخدامات المياه في العالم فإنه يتم حالياً استخدام الثلث فقط من الإمكانيات المتاحة إقتصادياً من مصادر الطاقة المائية، وما زالت هناك مخزونات ضخمة تتوضع بشكل خاص في دول الجنوب النامية، ويمكن ذكر عدة طرق أو آليات لاستغلال طاقة المياه:
- الرياح تسبب حركة الأمواج في البحر مما يمكن من الاستفادة من المولدات المعتمدة على طاقة الأمواج.
- الشمس والقمر تسبب حركات المد والجزر مما يسمح بالاستفادة من حركة تيارات المد والجزر في توليد الطاقة الهيدروكهربائية.
- أيضاً الطاقة الهيدروكهربائية يمكن توليدها بالاستفادة من قوة الجاذبية الأرضية في المساقط المائية، الشلالات، السدود، حركة جريان المياه في الأنهار والممرات المائية.
- الطاقة الشمسية: و هناك عدة آليات للتعامل مع هذه الطاقة الهائلة.
- تصميم الأبنية يحب أن يراعى فيها نواحي عزل الحرارة والاستفادة من ضوء وطاقة الشمس لأقصى درجة ممكنة في التدفئة و تسخين المياه والإنارة وحتى توليد الكهرباء للاستعمالات المختلفة.
- خزانات تسخين المياه على الأسطح والتي يجب أن تنتشر كالأطباق اللاقطة بعد تقدم تقنيات إنتاجها ورخص أسعارها.
- الخلايا الفولطية الضوئية، يمكن عن طريق توجيهها الصحيح في مناطق السطوع الشمسي الأعظمي وفي أوقات الذروة تحويل ضوء الشمس إلى طاقة كهربائية تؤمن الإكتفاء الذاتي أو تشكل رديفاً للطاقة الكهربائية المستجرة من الشبكة.
- يمكن توليد غاز الهيدروجين من الماء بالاعتماد على طاقة الشمس في المناطق الحارة كثيراً بتقنية خاصة ومعلوم أن الهيدروجين يمكن استخدامه كمصدر طاقة نظيف.
- يمكن توليد الكهرباء باستعمال المحركات، المكثفات و المدخرات في المناطق الحارة بتحويل الحرارة المتولدة من طاقة الشمس إلى طاقة كهربائية.
- الطاقة الحرارية الجوفية للأرض: توليد الطاقة بدون ضوء الشمس ولا قوة الرياح حيث إن الطاقة المدفونة في باطن الأرض على شكل حرارة ذات إمكانات هائلة لا نهاية لها يمكن استخراجها في كل فصل من فصول السنة، هذه الحرارة يمكن الوصول إليها من ينابيع المياه الحارة المندفعة من أعماق الأرض أو عن طريق ضخ المياه إلى أعماق تصل إلى 3000-5000 متر (بعد حفر بئرين) وتخرج المياه على شكل بخار ومن خلال مٌعَدِل حراري يمكن الاستفادة من الحرارة في إدارة العنفات التي تقوم بتوليد الطاقة الكهربائية وما تبقى من حرارة المياه يتم الاستفادة منها في تأمين التدفئة للمنازل القريبة ثم يعود الماء البارد ثانية إلى الطبقات الصخرية الحارة في الأعماق من جديد، وتعتبر هذه التقنية مصدراً حرارياً ذو إمكانيات كبيرة ولكن فرص توفرها متوقفة على الموقع الجغرافي للمنطقة أو البلد في العالم أو على الإمكانيات المادية والتقنية الكبيرة للقيام بالحفر العميق.
- الغاز الحيوي(الميثان): وهو مكون رئيسي للغاز الطبيعي و لغازات الانحباس الحراري، بمعنى أن وجوده في الجو يؤثر في درجة حرارة الأرض والنظام المناخي وهو مصدر طاقة نظيف وهام، يساوي 16 % من كافة انبعاثات غازات الدفيئة العالمية الناتجة عن النشاطات البشرية وأبرز مصادره هي مكبات ومطامر النفايات، المناجم، المصادر الزراعية(روث الحيوانات المستعمل كسماد)، المستنقعات، ومع احتواء القمامة على نسبة عالية من الفضلات الطعامية المنزلية (الثلثين في سوريا) فإن الغاز الحيوي يمكن انتاجه بمعدل عال، أيضاً فإن الأبقار، الأغنام، الماعز تشكل مصادر للغاز الحيوي وخصوصاً الأبقار والدواجن التي يمكن حصر حركتها والحصول على الغاز(من الروث) لتوليد الكهرباء، أيضاً يمكن الحصول على الغاز الحيوي من التحلل غير الهوائي لمياه الصرف الصحي بطرق خاصة حيث يمكن الاستخدام الكامل للغاز الحيوي في توليد الكهرباء ويمكن للعملية أن تصبح ذات اكتفاء ذاتي، ويجدر بالذكر أن تكنولوجيا الغاز الحيوي تلعب دوراً في الاستفادة من مركبات وغازات كانت ستجد طريقها للجو فتنقص الانبعاثات الملوثة والضارة، الروائح النافذة، الفضلات المتراكمة، وتخفض من الإنفاق بالعملة الصعبة وتغطي جزء من احتياجات الطاقة الكهربائية، وهذه العملية(الاستفادة من الغاز الحيوي/الميثان) لا تحتاج إلى مساحات كبيرة، وتؤمن فرص عمل ولا تزعج الناس الساكنين بقربها.
- طاقة الكتلة الحيوية: تصلح الكتلة الحيوية للاستعمال كوقود مباشر كما تصلح لإنتاج الطاقة الحرارية وتوليد الكهرباء وهي متوفرة بحالة جامدة أو سائلة أو غازية - الديزل الحيوي )يشبه الديزل المستخرج من النفط ويُنتج بسهولة من زيوت ودهون بعض النباتات والأشجار و الأخشاب أو النفايات)-الإثانول والميثانول (يمكن أن تشكل بدائل أو متممات للبنزين ولا تعطي نواتج ملوثة للبيئة، وهي متجددة إذا تم إنتاجها عضوياً من محاصيل الطاقة (قصب السكر مثلاً) ويمكن أن يعتبر إنتاج هذه الأنواع من الكحول ذو فوائد اقتصادية للمزارعين ولكن مع عدم إغفال الجوانب السلبية، هذه الطاقة تستخرج من بعض المحاصيل الزراعية(قصب السكر-الذرة-الشوفان-الشعير)، بعض أنواع الأشجار سريعة النمو، بعض أنواع البذور، جذور بعض النباتات التي يتم زراعتها خصيصاً كمصدر للطاقة، حيث تمتص هذه الأنواع من المزروعات الطاقة من الشمس والكربون من الغلاف الجوي وبعد المعالجة المناسبة تعطي هذه المحاصيل الوقود الذي يمكن حرقه وتنطلق بالتالي مركبات الكربون التي سبق للنبات امتصاصها، المؤيدين لهذا المصدر من الطاقة يقولون أن المحاصيل التي يتم زراعتها تطرح الكربون الذي قامت بامتصاصه فهناك دورة مستقرة للكربون وإذا تمت إدارة العملية بشكل صحيح فهي مصدر طاقة متجدد ونظيف، ولكن المعارضين يقولون أن هذه الطاقة ليست خالية من المشاكل البيئية والاقتصادية مثل خفض التنوع الحيوي الطبيعي، استبدال المصادر الغذائية، وتهديد الأمن الغذائي العالمي والمساهمة في رفع أسعار المحاصيل الزراعية الأساسية.
- الطاقة الناجمة عن حرق القمامة والنفايات: إن النفايات بأنواعها تضم عدداً كبيراً من المواد التي فيها طاقة كامنة، فبدلاً من التخلص منها في مواقع المطامر والمكبات المفتوحة بتكاليف متصاعدة عاماً بعد عام وما ينجم عن تخمرها وتحللها من انطلاق غاز الميثان، فإن هذه النفايات يمكن معالجتها وحرقها بطريقة الترميد حيث يتم الاستفادة من جزء مهم من الحرارة الناتجة لتشغيل مولدات كهربائية، وهذه الطريقة في التعامل مع أحجام القمامة المتزايدة تخفف من تكاليف الطمر، ولكن يجب تطبيق أحدث الطرق البيئية في التعامل مع الانبعاثات الغازية والخطرة الناجمة عن الحرق المعملي للقمامة بما فيها من استعمال فلاتر خاصة ومعالجة الغازات المتصاعدة عن العملية، لأن هذه العملية تتطلب تجهيزات تقنية متطورة و التحكم بنواتج الحرق بصورة صارمة.
- الغاز الطبيعي المسال(LNG ) والغاز الطبيعي المضغوط(CNG ): رغم أنها لا تعتبر مصادر طاقة متجددة فهي أنظف من مشتقات النفط و الغاز المرافق للبترول من ناحية نواتج الاحتراق المنطلقة في الجو ولكنها تتطلب تجهيزات خاصة في السيارات والمركبات التي تعمل عليها(خزانات تتحمل الضغط و مبرَّدة حجمها أكبر و أثقل) وهي كما أسلفنا طاقة أحفورية غير متجددة.
- خلايا الوقود أو الطاقة: و هي تتمتع بفعالية عالية وملائمة للبيئة و لا تٌحدث أي ضجيج حيث تٌعَد هذه التقنية "محرك المستقبل" و هي تعتمد على اتحاد الهيدروجين والأوكسجين مما ينتج عنه كهرباء بدون مواد ضارة، ومحطات الطاقة الكهروكيماوية تستفيد من الطاقة المنطلقة نتيجة تفاعل الهيدروجين والأوكسجين و دون انبعاث أي غازات، ومع أنها ليست متجددة أو بديلة بالمعنى الدقيق من حيث أنها تحول مصدر الطاقة الذي هو(الهيدروجين)إلى طاقة ذات جدوى وفائدة وتحمل إمكانيات تطبيقية واعدة تمتد من تغذية الحاسوب المحمول إلى محطات توليد الكهرباء مروراً باستخداماتها في وسائط النقل ورغم أنها ليست جديدة ولكن التقنيات المطلوبة هي معقدة وبحاجة لمزيد من الأبحاث والتطوير لجعلها متاحة أكثر وذات جدوى اقتصادية في الدول النامية، أما وقود الهيدروجين النقي فيمكن الحصول عليه من مصادر مختلفة بآليات صديقة للبيئة مع التأكيد على كونها طرق متجددة، وهناك تطورات تشير إلى أن خلايا الطاقة تكاد تصبح مصدراً مهماً كطاقة محركة لباصات النقل الداخلي والتجاري في بعض الدول الأوروبية.
- الطاقة المستقاة من استثمار الحرارة الضائعة: المتولدة من أفران الصهر وحرق القمامة، المعامل و المنشآت الصناعية، محطات توليد الكهرباء التي ينجم عن نشاطها ضياع قيم حرارية كبيرة، إضافة إلى مصادر أخرى، مع أنها لا تشكل مصادر طاقة أولية بحد ذاتها.
- الطاقة النووية: هناك تحفظات عديدة على هذا المصدر من الطاقة، فرغم أنها لا تنتج الكربون الملوث للجو، لكنها تخلف نفايات خطرة و مشعة من الصعوبة التخلص من آثارها على البيئة و الإنسان لمئات السنين، فهي لا يمكن اعتبارها كبديل للطاقات التقليدية إضافة إلى أن المفاعلات النووية غير مضمونة من ناحية التسرب الإشعاعي سواء نتيجة أخطاء بشرية، إهمال، أعمال إرهابية، زلازل.
|